ابن كثير
424
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قال « يجمع اللّه الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء ، وينزل اللّه في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي » وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا أبو بكر بن مقدم ، حدثنا معتمر بن سليمان ، سمعت عبد الجليل القيسي يحدث عن عبد اللّه بن عمرو هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ الآية . قال : يهبط حين يهبط وبينه وبين خلقه سبعون ألف حجاب ، منها النور والظلمة والماء فيصوت الماء في تلك الظلمة صوتا تنخلع له القلوب . قال : وحدثنا أبي ، حدثنا محمد بن الوزير الدمشقي ، حدثنا الوليد . قال : سألت زهير بن محمد عن قول اللّه هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ قال : ظلل من الغمام منظوم من الياقوت ، مكلل بالجوهر والزبرجد . وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في ظلل من الغمام ، قال : هو غير السحاب ولم يكن قط إلا لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا ، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ يقول : والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام ، واللّه تعالى يجيء فيما يشاء ، وهي في بعض القراءات « هل ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه والملائكة في ظلل من الغمام » وهي كقوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [ الفرقان : 25 ] . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 211 إلى 212 ] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) يقول تعالى مخبرا عن بني إسرائيل : كم شاهدوا مع موسى من آية بينة أي حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به ، كيده وعصاه وفلقه البحر وضرب الحجر ، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر ، ومن إنزال المن والسلوى ، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار ، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه ، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة اللّه كفرا ، أي استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ كما قال تعالى إخبارا عن كفار قريش أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ . جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ [ إبراهيم : 28 - 29 ] ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذين رضوا بها ، واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها عن مصارفها التي أمروا بها ، مما يرضي اللّه عنهم وسخروا من الذين آمنوا ، الذين أعرضوا عنها ، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم ، وبذلوه ابتغاء وجه اللّه ، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم ، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم ، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين ، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين ،